شراء العملة
الأسواق
فوري
العقود
الأرباح
الأنشطة
المزيد
reward-centerمنطقة المبتدئين
الأكاديميةتفاصيل

القانون الاتحادي الجديد للأصول المشفرة سيغير المشهد في الإمارات خلال العام 2025

CoinEx logo
تم النشر بتاريخ
7m

في خطوة قانونية تُعد من أبرز التحولات في المشهد المالي لدولة الإمارات العربية المتحدة، صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 6 لسنة 2025، بشأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة المالية وأعمال التأمين. جاء هذا القانون في 15 سبتمبر 2025، ونُشر رسميًا في العدد 807 من الجريدة الرسمية، ليبدأ سريانه الكامل في 16 سبتمبر 2025. يمثّل هذا القانون حجر الزاوية الجديد لمنظومة التشريعات المالية الاتحادية في الإمارات، حيث دمج تنظيم البنوك، وشركات التأمين، ومؤسسات الدفع، إلى جانب الأصول الرقمية، في إطار قانوني موحد يشرف عليه مصرف الإمارات المركزي.

خلفية إصدار القانون ودوافعه

القانون الجديد لم يكن استجابة آنية، بل كان نتيجة تراكمات استراتيجية وتحديات فرضها الواقع المالي والتقني، المتسارع عالميًا ومحليًا. فدولة الإمارات، التي تطمح لترسيخ مكانتها كمركز مالي وتقني عالمي، كانت بحاجة إلى تشريع يعكس مكانتها، ويضمن لها القدرة على مواكبة الابتكارات المالية، دون التخلي عن متطلبات الرقابة وحماية النظام المالي من الانكشاف أو الفوضى.

المثير في هذا القانون أنه لا يكتفي فقط بتنظيم البنى التقليدية كالبنوك وشركات التأمين، بل يذهب بعيدًا نحو التقنيات المالية الحديثة، واضعًا إطارًا واضحًا وشاملًا للأصول الافتراضية، بما فيها العملات المشفرة، والأنشطة المرتبطة بها. وقد صيغ القانون وصدر بموجب مرسوم عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، بعد عرضه من مجلس الوزراء، وتم تفويض مصرف الإمارات المركزي كالجهة الرقابية الأعلى لتنفيذه والإشراف على الالتزام ببنوده.


من التشتت إلى الوحدة التنظيمية

من أبرز الأسباب التي دفعت لإصدار هذا القانون بهذا الشكل وفي هذا التوقيت ،هو غياب الإطار الاتحادي الشامل سابقًا لتنظيم الأصول المشفرة، مما خلق بيئة غير متجانسة بين المناطق الحرة والولايات القضائية المحلية. إذ كانت دبي، على سبيل المثال، تعتمد على VARA (سلطة تنظيم الأصول الافتراضية)، وأبوظبي تعتمد على FSRA التابعة لسوق أبوظبي العالمي، بينما لم يكن هناك مرجعية اتحادية ملزمة تنظم عمل الشركات التي تستهدف السوق الإماراتي عمومًا. أدى هذا التفاوت إلى مخاطر تنظيمية، خاصة مع انتشار أنشطة تحويل وتداول العملات المشفرة، واستخدامها في بعض الحالات كأدوات دفع أو استثمار غير مرخصة.

هنا جاء القانون ليضع حداً لهذا التشتت التنظيمي، ويمنح المصرف المركزي صلاحيات صريحة لتنظيم كل نشاط مالي مرخص على مستوى الدولة، بصرف النظر عن التقنية المستخدمة أو الشكل القانوني. بمعنى أدق، لم يعد بالإمكان التحايل على الترخيص من خلال القول إن النشاط يتم عبر بروتوكول لا مركزي، أو أنه لا يحتفظ بأموال العملاء مباشرة. القانون بات يشمل حتى "مقدّمي البنية التحتية" إن كانوا يسهّلون أو يدعمون نشاطًا ماليًا مشمولًا بالترخيص.

تعريف الأصول الافتراضية في الإمارات

من الناحية القانونية، تضمن القانون تعريفًا واضحًا للأصول الافتراضية، حيث اعتبرها تمثيلًا رقميًا للقيمة يمكن نقله وتخزينه إلكترونيًا باستخدام تقنية الدفاتر الموزعة، لكنه استثناها من مفهوم النقد. وبالتالي، لا تُعتبر العملات المشفرة عملة قانونية في الإمارات، لكن استخدامها لأغراض الدفع أو التحويل يجعلها خاضعة لقواعد وتنظيمات المصرف المركزي. أما إن تم استخدامها لأغراض استثمارية بحتة، فهي تخضع للتشريعات الأخرى مثل تلك الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والسلع.

ولعل المادة 61 من القانون هي التي أسست القاعدة القانونية الأقوى في هذا الصدد، إذ أدرجت "تقديم خدمات الدفع باستخدام الأصول الافتراضية" ضمن الأنشطة المالية التي لا يجوز مزاولتها، إلا بعد الحصول على ترخيص صريح من المصرف المركزي. يترافق ذلك مع المادة 62 التي وسعت نطاق الرقابة لتشمل أي نشاط يُقدّم أو يُسهّل أو يُروج للأنشطة المالية، سواء تمت ممارسته مباشرة أو عبر وسطاء تقنيين.

بنية الترخيص لمزودي خدمات العملات المشفرة

ألزم القانون جميع مزوّدي خدمات الأصول الرقمية (VASPs)، مثل البيتكوين، بالحصول على ترخيص اتحادي مباشر قبل ممارسة أي نشاط موجه إلى سكان الإمارات، حتى لو كانت الجهة مرخصة في منطقة حرة أو خارج الدولة. كما فرض معايير صارمة تشمل:

  • حد أدنى لرأس المال والسيولة المالية.
  • نظامًا لحوكمة الشركات ومراجعة أهلية المدراء التنفيذيين.
  • آليات حماية لأموال العملاء ومنع خلطها مع أصول الشركة.
  • الالتزام التام بتطبيق قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
  • تقديم تقارير تشغيلية ومالية دورية إلى المصرف المركزي.

ولأول مرة، أصبح الترويج للخدمات المالية – بما فيها الترويج لخدمات العملات المشفرة – من الأنشطة التي تتطلب ترخيصًا. القانون يجرّم بشكل غير مباشر الجهات التي تروّج لمنصات تداول أو خدمات حفظ غير مرخصة، سواء عبر الإنترنت أو عبر أي وسيلة إعلان أخرى، ويُخضع المروجين للعقوبات ذاتها المفروضة على من يمارس النشاط المالي نفسه.

غرامات صارمة وعقوبات

العقوبات في هذا القانون غير مسبوقة من حيث الحجم والنطاق. فالمادة 170 تنص على عقوبة الحبس أو الغرامة من 50,000 درهم حتى 500,000,000 درهم لمن يمارس نشاطًا ماليًا بدون ترخيص. وإن استمرت المخالفة، تُفرض غرامة يومية إضافية قدرها 50,000 درهم، تصل إلى حد أقصى قدره 10 ملايين درهم. أما من يصدر نقدًا أو عملة مشفرة دون ترخيص من الدولة، فيواجه السجن حتى 20 عامًا وغرامة حتى 100 مليون درهم.

العملات المشفرة في الإمارات قبل وبعد القانون الجديد

الفارق الجوهري بين الوضع التنظيمي قبل وبعد صدور القانون يتضح جليًا في المقارنة التالية:

المجال

قبل القانون

بعد القانون

الإطار التنظيمي

غياب إطار اتحادي شامل – تنظيم مجزأ ومتناقض

إطار اتحادي موحد شامل لكل إمارات الدولة وتحت مظلة المصرف المركزي

الرقابة والإشراف

سلطات متعددة (VARA، SCA، ADGM)

المصرف المركزي الجهة الرقابية العليا بالتنسيق مع السلطات المحلية

العقوبات

غياب عقوبات جنائية واضحة

عقوبات جنائية صارمة: حبس، غرامات حتى 500 مليون درهم

متطلبات الترخيص

تراخيص مرنة وسهلة في المناطق الحرة

شتراطات شاملة تشمل رأس المال، الحوكمة، KYC، والتأمين

تنظيم الترويج

ضعيف وغير واضح

الترويج نفسه يُعتبر نشاطًا ماليًا مرخصًا ويتطلب موافقة مسبقة

إضافة إلى ما سبق، القانون منح المصرف المركزي صلاحية إصدار درهم رقمي رسمي، مع تحديد خصائصه ومجال تداوله. كما أن القانون لم يُجرّم حيازة الأفراد للعملات المشفرة، ما دام استخدامها شخصيًا وليس تجاريًا، وهو ما يمنح الأفراد حرية استثمارية ضمن ضوابط مشروعة.

السلطات الرقابية والتنفيذية المختصة

من حيث التنفيذ، فالمصرف المركزي هو المنظم الأعلى، وتعمل هيئة الأوراق المالية والسلع إلى جانبه لتنظيم الأصول الرقمية ذات الطابع الاستثماري. كذلك فإن الهيئات المحلية كـ VARA وFSRA وDFSA تحتفظ باختصاصها الترخيصي المحلي، ولكن يجب أن تتماشى مع القانون الاتحادي الجديد، وخاصة إذا كانت الشركات تستهدف الجمهور العام في الدولة.

يمتد تأثير القانون إلى القطاعات الأخرى، إذ دمج تنظيم شركات التأمين تحت إشراف المصرف المركزي لأول مرة، وأنشأ لجانًا قضائية متخصصة لفض المنازعات المالية. كما منح المركزي أدوات للتدخل المبكر وحماية الاستقرار المالي، بما يشمل تعيين مديرين مؤقتين أو تصفية شركات فاشلة بطريقة منظمة، إضافة إلى سلطات فرض غرامات تصل لعشرة أضعاف المكاسب غير المشروعة.

بين الابتكار والتنظيم

في خاتمة المطاف، فإن المرسوم بقانون اتحادي رقم 6 لسنة 2025، يشكّل ركيزة تشريعية متينة لنظام مالي رقمي متطوّر ومنضبط في آن واحد. يحافظ على التوازن بين الابتكار وحماية المستهلك والاستقرار، ويمنح الدولة الأدوات القانونية الكافية لضبط سوق العملات المشفرة والأصول الرقمية، دون خنق فرص التطوير والنمو. إنه إعلان واضح بأن دولة الإمارات دخلت عصرًا جديدًا من التنظيم المالي القائم على الشفافية، الحوكمة، والتقنية، بقيادة مصرفها المركزي كمركز ثقل القانون والتنفيذ.